اسماعيل بن محمد القونوي
47
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الاستمرار كما تقدم في قوله : اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ [ فاطر : 9 ] الآية وهنا إنما يحسن مع أن الفعلين ليس الشيء لأنهما كناية عن الطاعة والانقياد فيكونان كشيء واحد وقدم الخشية لأنها سبب لسائر الطاعات . قوله : ( ومن تطهر « 1 » ) أي على وجه المبالغة إذ التكلف يستلزم المبالغة والكمال إذ ما يفعل بالتكلف يوجد على وجه الحسن والكمال . قوله : ( عن دنس المعاصي ) أي عن المعاصي كالدنس في الخباثة وتنفر الطبع ويدخل فيها الكفر دخولا أوليا . قوله : ( إذ نفعه لها وقرىء ومن أزكى فإنما يزكي وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنهما من جملة المزكي ) إذ نفعه لها أي بالذات ونفعه لغيره بالواسطة فإن القوم الذي فيهم الصالحون سالمون عن الآفات وينزل عليهم البركات وهو اعتراض أي جملة تذييلية بقرينة قوله مؤكد الخ وإشارة إلى أنه تعالى غني عن عبادتهم وإنما وجب ما وجب لكونهم منتفعين بها في الدنيا والعقبى . قوله : ( فيجازيهم على تزكيتهم ) وخشيتهم وإقامة صلواتهم فيكون ترغيبا للتزكي وتشويقا إلى التحري فيكون الختم به أشد مناسبة بأوله . الصلاة والسّلام أرسل لإنذار كافة الثقلين من غير تقييد بالخشية وأقام الصلاة وجب أن يبين وجه تخصيصهم بالذكر من بين من عداهم فوجه التخصيص أنهم المنتفعون بالإنذار دون غيرهم فإن الإنذار إنما يكون إنذار أو يكون له تأثير إذا كان مع من يؤمن باللّه والبعث والقيامة وأهوالها لا مع غيره وبيانه أنه تعالى لما أظهر غصبه على من اتخذ من دون اللّه أندادا بقوله : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ [ فاطر : 16 ] واتبعه بالإنذار بيوم القيامة وأهوالها التفت إلى حبيبه عليه الصلاة والسّلام ناعيا إليه تمردهم وعنادهم وأن الوعظ لا ينجع فيهم لأنهم لا يخافون عقابه لكونهم جهالا لا يتفكرون في العاقبة وإنما ينجع فيمن يوقن أنه لا بد من المصير إلى اللّه تعالى فيخشى عقابه وإليه ينظر قوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] . قوله : واختلاف الفعلين لما مر أي اختلاف يخشون وأقاموا حيث ذكر الأول بلفظ المضارع والثاني بلفظ الماضي لعلة ذكرت في بيان اختلاف الأفعال في قوله تعالى وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [ فاطر : 9 ] وهي الدلالة على الاستمرار فالمعنى إنما تنذر الذين يداومون على خشية ربهم وأقاموا الصلاة مستمرين عليهما . قوله : واعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة أي قوله عز وجل وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ [ فاطر : 18 ] جملة معترضة مؤكدة لمضمون الجملتين المذكورتين وهو خشيتهم وإقامتهم الصلاة وجه كونه مؤكدا للخشية وإقام الصلاة أنهما من جملة التزكي من حيث إن المتطهر من دنس عصيان الرب يلزمه أن يخشى ربه ويقيم الصلاة لذكره .
--> ( 1 ) وكذا معنى أزكى يزكى لأن أصله تزكى فأدغم التاء في الزاي ثم أتى بهمزة الوصل .